العيني
266
عمدة القاري
فخرج جرذ ومعه دينار ، ثم آخر حتى أخرج سبعة عشر ديناراً فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم خبرها ، فقال : لا صدقة فيها ، بارك الله لك فيها . ذكر معناه : قوله : ( أخذت ) ، هكذا رواية الأكثرين ، وفي رواية المستملي : أصبت ، وفي رواية الكشميهني : وجدت . قوله : ( مائة دينار ) نصب على أنه بدل من : صرة ، ويجوز الرفع على تقدير : فيها مائة دينار . قوله : ( فعرفها ) بالتشديد أمر من التعريف ، وهو أن ينادي في الموضع الذي لقاها فيه وفي الأسواق والشوارع والمساجد ، ويقول : من ضاع له شيء فليطلبه عندي . قوله : ( فعرفتها أيضاً ) ، بالتشديد من التعريف ، و : ( حولاً ) نصب على الظرف . قوله : ( من يعرفها ) بالتخفيف من عرف يعرف معرفة وعرفاناً . قوله : ( ثم أتيته ثلاثاً ) ، أي : ثلاث مرات ، المعنى : أنه أتى ثلاث مرات ، وليس معناه أنه أتى بعد المرتين الأوليين ثلاث مرات ، وإن كان ظاهر الكلام يقتضي ذلك لأن : ثم إذا تخلفت عن معنى التشريك في الحكم والترتيب والمهلة تكون زائدة فلا تكون عاطفة البتة قاله الأخفش والكوفيون وحملوا على ذلك قوله تعالى : * ( حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلاَّ إليه ثم تاب عليهم ) * ( التوبة : 811 ) . ويوضح ما ذكرنا رواية مسلم ، فقال : أي : أبي بن كعب : ( إني وجدت صرة فيها مائة دينار على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : عرفها حولاً . قال : فعرفتها فلم أجد من يعرفها ، ثم أتيته ، فقال : عرفها حولاً ، فعرفتها فلم أجد من يعرفها ، ثم أتيته فقال : عرفها حولاً ، فلم أجد من يعرفها ، فقال : احفظ عددها . . ) الحديث . وقد اختلفت الروايات في هذا ، ففي رواية : عرفها ثلاثاً ، وفي أخرى : أو حولاً واحداً ، وفي أخرى : في سنة أو في ثلاث سنين ، وفي أخرى : عامين أو ثلاثة . وروى مسلم عن جماعة هذا الحديث ، ثم قال : وفي حديثهم جميعاً ثلاثة أحوال إلاَّ حماد بن سلمة ، فإن في حديثه : عامين أو ثلاثة . وقال المنذري : لم يقل أحد من أئمة الفتوى بظاهره من أن اللقطة تعرف ثلاثة أعوام إلاَّ رواية جاءت عن عمر ، رضي الله تعالى عنه ، وقد روى عن عمر أنها تعرف سنة مثل قول الجماعة ، وفي الحاوي عن شواذ من الفقهاء أنها تعرف ثلاثة أحوال . وقال ابن المنذر عن عمر ، رضي الله تعالى عنه : يعرفها ثلاثة أشهر . قال : وروينا عنه : ثلاثة أيام ، ثم يعرفها سنة ، وزعم ابن الجوزي أن رواية الثلاثة أحوال : إما أن يكون غلطاً من بعض الرواة ، وإما أن يكون المعرف عرفها تعريفاً غير جيد كما قال للمسيء صلاته : إرجع فصل فإنك لم تصل ، وذكر ابن حزم عن عمر بن الخطاب : يعرف اللقطة ثلاثة أشهر ، وفي رواية : أربعة أشهر ، وعن الثوري : الدرهم يعرف أربعة أيام . وقال صاحب ( الهداية ) : إن كانت أقل من عشرة دراهم يعرفها أربعة ، وإن كانت عشرة فصاعداً عرفها حولاً ، وهذه رواية عن أبي حنيفة ، وقدر محمد الحول من غير تفصيل بين القليل والكثير ، وهو ظاهر المذهب ، وفي ( التوضيح ) : كذا قاله أبو إسحاق في تنبيهه ، والمذهب الفرق ، فالكثير يعرف سنة ، والقليل يعرف مدة يغلب على الظن قلة أسف صاحبه عليه ، وممن روى عنه تعريف سنة : علي وابن عباس وسعيد بن المسيب والشعبي ، وإليه ذهب مالك والكوفيون والشافعي وأحمد ، ونقل الخطابي إجماع العلماء فيه ، وقال ابن الجوزي : ابتداء الحول من يوم التعريف ، لا من الأخذ . قوله : ( إحفظ وعاءها ) ، بكسر الواو وقد يضم وبالمد ، وقرأ الحسن بالضم في قوله : وعاء أخيه ، وقرأ سعيد بن جبير إعاء أخيه ، بقلب الواو همزة مكسورة ، والوعاء ما يجعل فيه الشيء سواء كان من جلدٍ أو خرق أو خشب أو غير ذلك ، ويقال : الوعاء هو الذي يكون فيه النفقة ، وقال ابن القاسم : هو الخرقة . قوله : ( ووكاءها ) ، بكسر الواو وبالمد ، وهو الذي يشد به رأس الكيس ، أو الصرة أو غيرها ، ويقال : أوكيته إيكاءً ، فهو موك ، بلا همز . وزاد في حديث زيد بن خالد العفاص ، كما يجيء عن قريب . قوله : ( فإن جاء صاحبها ) ، شرط جزاؤه محذوف ، نحو : فارددها إليه . قوله : ( وإلاَّ ) ، أي : وإن لم يجيء صاحبها فاستمتع بها ، استدل به قوم . وبقوله : ( فشأنك بها ) ، في حديث سويد الذي مضى : على أن بعد السنة يملك الملتقط اللقطة ، وهذا خرق لإجماع أئمة الفتوى في أنه يردها بعد الحول أيضاً إذا جاء صاحبها ، لأنها وديعة عنده ، ولقوله ، صلى الله عليه وسلم : فأدها إليه . قوله : ( فلقيته بعد بمكة ) ، القائل بقوله : لقيته ، شعبة ، والضمير المنصوب فيه يرجع إلى سلمة بن كهيل . قوله : ( بعد ) ، بضم الدال ، أي : بعد ذلك . قوله : ( بمكة ) ، حال من الضمير المنصوب أي : حال كون سلمة بمكة ، يعني : كان ملاقاة شعبة بسلمة